فخر الدين الرازي

58

شرح الفخر الرازى على الاشارات

العقلية وهما موجودان بعد فساد البدن ومتى كان الفاعل والقابل موجودين كما كانا من غير تغير أصلا وجب حصول الأثر فوجب بقاء تلك العاقلية بعد الموت لكن هاهنا سؤالا وهو أن يقال هب أن القابل هو النفس وأن الفاعل هو العقل لكن لم لا يجوز أن يقال إن تعلق النفس بالبدن شرط لاستعدادها لقبول تلك الصور عن العقل ثم إن الشيخ لما أراد دفع هذا الاحتمال ذكر أدلة على أن النفس الناطقة في ذاتها وفي تعقلها لمعقولاتها غير محتاجة إلى شيء من الآلات البدنية فمن تلك الأدلة انها لو عقلت بآلتها لكان متى عرض للآلة كلال واختلال وجب أن يعرض للقوة أيضا كلال والتالي كاذب فالمقدم مثله بيان الشرطية ان الشيء متى كان محتاجا إلى غيره كان الخلل في المحتاج اليه موجبا وقوع الخلل في المحتاج لأنه لو استمر حال المحتاج على نهج واحد سواء اختل المحتاج اليه أو لم يختل قدح ذلك في احتياجه اليه وبيان كذب التالي ان البدن يأخذ زمان الكهولة في الانحطاط والنقصان مع أن القوة العقلية ربما قويت في ذلك الوقت فعلمنا أنه لا يلزم من اختلال البدن اختلال حال القوة دائما فان قيل أليس ان الانسان يصير في آخر الشيخوخة خرفا وينتقص عقله فههنا اختلت القوة العاقلة لاختلال البدن أجاب بانا إذا قلنا لو كانت القوة العقلية بدنية لاختلت عند اختلال البدن فإذا قلنا لكنها اختلت عند اختلال البدن كنا قد استثنينا عين التالي وانه غير منتج ما إذا رأينا في بعض الأوقات انها لا تختل عند اختلال البدن حتى قلنا لكنها ما اختلت عند اختلال البدن كان ذلك استثناء لنقيض التالي وانه ينتج نقيض المقدم ويمكن أن يقال أيضا انا لا نجعل تالي الشرطية مطلقا أي لا نقول لو كانت القوة العاقلة بدنية لاختلت عند اختلال البدن بل نجعله دائما فنقول لو كانت بدنية لاختلت عند اختلال البدن دائما كما بيناه بالحجة ثم إنه لا يلزم من اختلالها في بعض الأوقات عند اختلال البدن أن يقال إنها اختلت عند اختلال البدن دائما فظهر أنه لا يلزم مما ذكروه صدق استثناء عين التالي مع أنه لو صدق ذلك أيضا لم يكن منتجا ثم الجواب الحكمي أن الحكم الواحد بالنوع يجوز ثبوته بعلل مختلفة فاختلال أحوال القوة العاقلة يجوز أن يكون لاختلال محلها لذي هو البدن ويجوز أن يكون لا لذلك بل لان اشتغالها بتدبير البدن واستغراقها فيه يمنعها من أن يتفرغ لفعل نفسها وإذا احتمل الامر ان سقط ما ذكروه فهذا تمام الكلام في تقرير ما ذكره ولقائل أن يقول لم لا يجوز أن يقال القوة العاقلة بدنية والمعتبر في بقائها على كمالها بقاء البدن على حد معين من الصحة فاما ما وراء ذلك الحد من الصحة فإنه غير معتبر في بقاء كمال القوة العقلية ثم إن ذلك الحد باق إلى آخر الشيخوخة والنقصان الحاصل في زمان الكهولة نقصان واقع في الأمر الزائد على المقدار المعتبر من الصحة في بقاء كمال القوة العقلية فلا جرم لم يلزم من النقصان الحاصل في زمان الكهولة نقصان ما في القوة العقلية فاما في آخر زمان